محمد أبو زهرة

1496

زهرة التفاسير

عن المنافقين بقوله : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا لبيان أن النفاق حدث جديد ، قد وجد في صفوف المؤمنين ، ولم يكن قبل بدر الكبرى ، فالقوة في بدر قد أوجدته ، والتجربة القاسية في أحد قد كشفته . ولقد قال سبحانه وتعالى في مظاهر المنافقين ، وأوصافهم ، وأحوالهم ، وإعراضهم عن الجماعة في الشدة : وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هذه الجملة السامية فيها بيان حال أولئك المنافقين ، وعدم مجاوبتهم نفسيا مع المؤمنين ، وقد أشار سبحانه بهذا إلى أنهم كانوا معوّقين « 1 » في ابتداء القتال ، قيل لهم من النبي صلى اللّه عليه وسلم ومن الذين يعاشرونهم ويجاورونهم ، ومن أهليهم وعشيرتهم : تعالوا ، أي تساموا بأنفسكم وارتفعوا لتقاتلوا في سبيل اللّه تعالى مجاهدين مبتغين مرضاته بالدفاع عن الحق ، فإن لم تسم نفوسكم إلى حد القتال طلبا لمرضاة اللّه ، فلتقاتلوا دفاعا عن الوطن والعشيرة ، فالمعنى : قاتلوا لرضا اللّه ، أو ادفعوا عن أنفسكم عار الذل وعار سيطرة قريش عليكم إن لم تقاتلوا ، وقيل إن معنى ادفعوا أن يكثروا سواد المسلمين ، فيلقى ذلك الرعب في قلوب الأعداء فيعرفوهم بهذا التكثير ، وعن سهل بن سعد الساعدي وقد كف بصره قال : لو أمكنني لبعت دارى ولحقت بثغر من ثغور المسلمين ، فكنت بينهم وبين عدوهم ، قيل : كيف وقد كف بصرك ؟ قال : لقوله تعالى : أَوِ ادْفَعُوا وعبر بالمجهول في قوله تعالى : وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا للإشارة إلى كثرة القائلين فقيل لهم من النبي ، ومن الأصحاب ، ومن أهلهم وعشيرتهم المؤمنين ، ولكنهم امتنعوا لامتلاء قلوبهم بالنفاق . قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ .

--> ( 1 ) أي مثبطين ، قال تعالى : قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ( 18 ) [ الأحزاب ] .